فصل: الآية رقم ‏(‏34‏)‏

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر ابن كثير **


 الآية رقم ‏(‏15 ‏:‏ 16‏)‏

‏{‏ واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ‏.‏ واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما ‏}‏

كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا ثبت زناها بالبينة العادلة، حبست في بيت فلا تمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏واللاتي يأتين الفاحشة‏}‏ يعني الزنا ‏{‏من نسائكم فاستشهدوا علين أربعة منكم؛ فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل اللّه لهن سبيلا‏}‏ فالسبيل الذي جعله اللّه هو الناسخ لذلك، قال ابن عباس رضي اللّه عنه‏:‏ كان الحكم كذلك حتى أنزل اللّه سورة النور فنسخها بالجلد أو الرجم؛ وهو أمر متفق عليه، وروى مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏‏(‏ خذوا عني خذوا عني؛ قد جعل اللّه لهن سبيلاً؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام؛ والثب بالثيب جلد مائة والرجم‏)‏ وقد روى الإمام أحمد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏خذوا عني خذوا عني؛ قد جعل اللّه لهن سبيلاً؛ البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة؛ والثيب بالثيب جلد مائة والرجم‏)‏ وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يرجم فقط من غير جلد، قالوا‏:‏ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم رجم ماعزاً والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك فدل على أن الجلد ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، واللّه أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واللذان يأتيانها منكم فأذوهما‏}‏ أي واللّان يفعلان الفاحشة فآذوهما، قال ابن عباس‏:‏ أي بالشتم والتعيير والضرب بالنعال، وكان الحكم كذلك حتى نسخة اللّه بالجلد أو الرجم، وقال مجاهد‏:‏ نزلت في الرجلين إذا فعلا اللواط وقد روى أهل السنن عن ابن عباس مرفوعاً قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من رأيتموه يعمل علم قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به‏)‏ وقوله ‏{‏فإن تابا وأصلحا‏}‏ أي أقلعا نزعا عما كانا عليه وصلحت أعمالهما وحسنت‏:‏ ‏{‏فأعرضوا عنهما‏}‏ أي لا تعنفوهما بكلام قبيح بعد ذلك، لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له‏:‏ ‏{‏إن اللّه كان تواباً رحيما‏}‏ وقد ثبت في الصحيحين ‏(‏إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب عليها‏)‏ أي لا يعريرها بما صنعت بعد الحد الذي هو كفارة لما صنعت‏.‏

 الآية رقم ‏(‏17 ‏:‏ 18‏)‏

‏{‏ إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ‏.‏ وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما ‏}

ومعناه‏:‏ إنما يقبل اللّه التوبة ممن عمل السوء بجهالة ثم يتوب قبل الغرغرة، قال مجاهد‏:‏ كل من عصى اللّه خطأ أو عمداً فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب، وقال قتادة، كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقولون‏:‏ كل ذنب أصابه عبد فهو جهالة، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏ثم يتوبون من قريب‏}‏ قال‏:‏ ما بينه وبين أن ينظر إلى ملك اموت‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ ما كان دون الموت فهو قريب، وقال قتادة والسدي‏:‏ ما دام في صحته، وقال الحسن البصري‏:‏ ‏{‏ثم يتوبون من قريب‏}‏، ما لم يغرغر، ذكر الأحاديث في ذلك‏:‏ قال الحسن البصري‏:‏ ‏{‏ثم يتوبون من قريب‏}‏، ما لم يغرغر، ذكر الأحاديث في ذلك قال الإمام أحمد عن ابن عمر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر‏)‏

حديث آخر‏:‏ قال ابن مردويه عن عبد اللّه بن عمر، سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏ما من عبد مؤمن يتوب قبل الموت بشهر إلا قبل اللّه منه أدنى من ذلك؛ وقبل موته بيوم وساعة يعلم اللّه منه التوبة والأخلاص إليه إلا قبل منه‏)

وحديث آخر‏:‏ قال أبو داود الطيالسي عن عبد اللّه بن عمر، يقول‏:‏ إن تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تيب عليه، ومن تاب قبل موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه، فقلت له‏:‏ إنما قال اللّه ‏:‏ ‏{‏إنما التوبة على اللهّ للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب‏}‏ فقال إنما أحدثك ما سمعته من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم

حديث آخر‏:‏ قال أبو بكر بن مردويه‏:‏ عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إن اللّه يقبل توبة عبده ما لم يغرغر‏)‏

 الآية رقم ‏(‏19 ‏:‏ 22‏)

‏{‏ يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ‏.‏ وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ‏.‏ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا ‏.‏ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا ‏}‏

روى البخاري عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً‏}‏ قال‏:‏ كانوا إذا ات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاءوا زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً‏}‏ هكذا ذكره البخاري وأبو داود والنسائي وروي عن ابن عباس‏:‏ كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوباً كان أحق بها، فنزلت‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً‏}‏ وقال زيد بن أسلم في الآية‏:‏ كان أهل يثرب إذا مات الرجل منهم في الجاهلية ورث امرأته من يرث ماله وكان يعضلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تهامة يسيء الرجل صحبة المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها فنهى اللّه المؤمنين عن ذلك‏.‏ وقال أبو بكر بن مردويه عن محمد ابن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال‏:‏ لما توفي أبو قيس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته وكان لهم ذلك في الجاهلية فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏لا يحل لكم أن رثوا النساء كرهاً‏}‏ وقال ابن جريرج‏:‏ نزلت في كبيشة بنت معن بن عاصم بن الأوس توفي عنها أبو قيس بن الأسلت فجنح عليها ابنه فجاءت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالت يا رسول اللّه‏:‏ لا أنا ورثت زوجي ولا أنا تركت فأنكح، فأنزل اللّه هذه الآية‏.‏ فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية وكل ما كان فيه نوع من ذلك واللّه أعلم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن‏}‏ أي لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقاً من حقوقها عليك، أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والإضرار، وقال ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تعضلوهن‏}‏، يقول‏:‏ ولا تقهروهن ‏{‏لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن‏}‏ يعني الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضرها لتفتدي به، وكذا قال الضحاك وقتادة وغير واحد‏.‏ واختاره ابن جرير، وقال ابن المبارك عن ابن السلاماني قال‏:‏ نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمر الإسلام يعني قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرهاً‏}‏ في الجاهلية، ‏{‏ولا تعضلوهن‏}‏ في الإسلام، وقوله‏:‏ ‏{‏إلا أن يأتين بفاحشة مبينة‏}‏ قال ابن مسعود، وابن عباس‏:‏ يعني بذلك الزنا، يعني إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها، وتضاجرها حتى تتركه لك وتخالعها كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلا أن يخافاً أن لا يقيما حدود اللّه‏}‏ الآية، وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك‏:‏ الفاحشة المبينة النشوز والعصيان، واختار ابن جرير أنه يعم ذلك كله الزنا والعصيان، والنشوز وبذاء اللسان، وغير ذلك، يعني أن كله يبيح مضاجرتها حتى تبرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد واللّه أعلم‏.‏

وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام‏:‏ وقال عبد الرحمن بن زيد‏:‏ كان العضل في قريش بمكة‏:‏ ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا جاء الخاطب، فإن أعطته وأرضته أذن لها وإلاعضلها، قال فهذا قوله‏:‏ ‏{‏ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن‏}‏ الآية‏.‏ وقال مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آيتمون‏}‏ هو كالعضل في سورة البقرة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وعاشروهن بالمعروف‏}‏ أي طيبوا أقوالكم لهن وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله،

كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف‏}‏، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏خيركم خيركم لأهله؛وأنا خيركم لأهلي‏)‏وكان من أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم أن جميل العشرة، دائم البشر؛ يداعب أهله؛ ويتلطف بهم ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها يتودد إليها بذلك، قالت‏:‏ سابقني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسبقته وذلك قبل أن أحمل اللحم، ثم سابقته بعد ما حملت اللحم فسبقين، فقال‏:‏ ‏(‏هذه بتلك ويجمع نساءه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها، وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كتفيه الرداء وينام بالإزر، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يسمر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يؤانسهم بذلك صلى اللّه عليه وسلم، وقد قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة‏}‏ وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتب الأحكام، وللّه الحمد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل اللّه فيه خيراً كثيراً‏}‏، أي فعسى أن يكون صبركم في إمساكهن مع الكراهة، فيه خير كثير لكم في الدنيا والآخرة، كما قال ابن عباس‏:‏ هو أن يعطف عليها فيرزق منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير، وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏لا يفرك مؤمن مؤمنة إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطاراً فلا تأخذوا منه شيئاً أتأخذونه بهتاناً وإثماً مبيناً‏}‏ أي إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذ مما كان أصدق الأولى شيئاً ولو كان قنطاراً من المال، وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب يقول‏:‏ ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند اللّه كان أولاكم بها النبي صلى اللّه عليه وسلم، ما أصدق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية‏.‏

طريق أخرى عن عمر‏:‏ قال الحافظ أبو يعلى عن الشعبي عن مسروق قال‏:‏ ركب عمر بن الخطاب منبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم قال‏:‏ أيها الناس ما إكثاركم في صداق النساء‏!‏‏!‏ وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واصحابه والصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم، فما دون ذلك‏.‏ ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند اللّه أو كرامة لم تسبقوهم إليها‏.‏ فلأعرفن ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم‏.‏ قال‏:‏ ثم نزل‏.‏ فاعترضته امرأة من قريش فقالت‏:‏ يا أمير المؤمنين نهيت الناس عن يزيدوا في مهر النساء على اربعمائة درهم‏؟‏ قال‏:‏ نعم، فقالت أما سمعت ما أنزل اللّه في القرآن‏؟‏ قال‏:‏ وأي ذلك‏؟‏ فقالت‏:‏ أما سمعت اللّه يقول‏:‏ ‏{‏وآتيتم إحداهن قنطاراً‏}‏ الآية‏.‏ قال‏:‏ اللهم غفراً، كل الناس أفقه من عمر‏.‏ ثم رجع فركب المنبر فقال‏:‏ أيها الناس إني كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صدقاتهن على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب‏.‏ قال أبو يعلى‏:‏ وظنه قال‏:‏ فمن طابت نفسه فليفعل‏.‏ إسناده جيد قوي‏.‏ وفي

رواية‏:‏ امرأة أصابت ورجل أخطا، ولهذا قال منكراً‏:‏ ‏{‏وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض‏}‏ أي وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد افضيت إليها وافضت إليك قال ابن عباس‏:‏ يعني بذلك الجماع‏.‏ وقد ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما‏:‏ ‏(‏اللّه يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب‏)‏ قالها ثلاثاً فقال الرجل‏:‏ يا رسول اللّه مالي - يعني ما أصدقها - قال‏:‏ ‏(‏لا مال لك، إن كنت صدقت فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً‏}‏ المراد بذلك العقد، وقال سفيان الثوري في قوله‏:‏ ‏{‏وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً‏}‏ قال‏:‏ إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وقال الربيع بن أنس في الآية‏:‏ هو قوله‏:‏ ‏(‏أخذتموهن بأمانة اللّه، وأستحللتم فروجهن بكلمة اللّه‏)‏، وفي صحيح مسلم عن جابر في خطبة حجة الوداع‏:‏ أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال فيها‏:‏ ‏(‏واستوصوا بالنساء خيراً فإنكم أخذتموهن بأمانة اللّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللّه‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء‏}‏ الآية، يحرم اللّه تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظاماً واحتراماً أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الإبن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه‏.‏ قال ابن أبي حاتم عن عدي بن ثابت عن رجل من الأنصار قال‏:‏ لما توفي أبو قيس - يعني ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنه قيس امرأته فقالت‏:‏ إنما أعدُّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فقالت‏:‏ إن أبا قيس توفي فقال‏:‏ ‏(‏خيراً‏)‏، ثم قالت‏:‏ إن ابنه قيساً خطبني وهو من صالحي قومه، وإنما كنت أعدُّه ولداً فما ترى‏؟‏ فقال لها‏:‏ ‏(‏ارجعي إلى بيتك‏)‏ قال فنزلت‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏}‏ الآية‏.‏ وقد زعم السهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولاً به في الجاهلية، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إلا ما قد سلف‏}‏ كما قال‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف‏}‏ قال‏:‏ وقد فعل ذلك كنانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه فأولدها ابنه النضر بن كنانة، قال‏:‏ وقد قال صلى اللّه عليه وسلم ‏(‏ ولدت من نكاح لا من سفاح‏)‏ قال‏:‏ فدل على أنه كان سائغاً لهم ذلك، فأراد أنهم كانوا يعدونه نكاحاً؛ وعن ابن عباس قال‏:‏ كان أهل الجاهلية يحرمون ما حرم اللّه إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏}‏، ‏{‏وأن تجمعوا بين الأختين‏}‏، وهكذا قال عطاء وقتادة، ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر واللّه أعلم، وعلى كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة، مبشع غاية التشبع، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً‏}‏ فزاد ههنا‏:‏ ‏{‏ومقتاً‏}‏ أي بغضاً أي هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الأبن اباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة لأنهن أمهات لكونهن زوجات النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو كالأب، بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات اللّه وسلامه عليه‏.‏

وقال عطاء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومقتاً‏}‏ أي يمقت اللّه عليه، ‏{‏وساء سبيلاً‏}‏ أي وبئس طريقاً لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل ويصير ماله فيئاً لبيت المال، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن عن البراء بن عازب عن خاله أبي بردة‏:‏ أنه بعثه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله، وقال الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال‏:‏ مر بي عمي الحارث بن عميرومعه لواء قد عقده له النبي صلى اللّه عليه وسلم فقلت له‏:‏ أي عم أين بعثك النبي‏؟‏ قال‏:‏ بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه‏.‏  ">الآية رقم ‏(‏23 ‏:‏ 24‏)‏">

الآية رقم ‏(‏23 ‏:‏ 24‏)‏

‏{‏ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما ‏.‏ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما ‏}‏

هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب، وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر، كما قال ابن عباس‏:‏ حرمت عليكم سبعُ نسباً وسبع صهراً، وقرأ‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم‏}‏ الآية‏.‏ وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه، بعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبناتكم‏}‏ فإنها بنت فتدخل في العموم كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وقد حكي عن الشافعي شيء في إباحتها لأنها ليست بنتاً شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يوصيكم اللّه في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين‏}‏ فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية واللّه أعلم‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة‏}‏ أي كما يحرم عليك أمك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك، ولهذا ثبت في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏إن الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة‏)‏ وفي لفظ لمسلم‏:‏ ‏(‏يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب‏)‏ ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية، وهذا قول مالك، ويروى عن ابن عمر، وقال آخرون‏:‏ لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تحرم المصة ولا المصتان‏)‏، وفي لفظ آخر‏:‏ ‏(‏لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان‏)‏ وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وقال آخرون‏:‏ لا يحرم أقل من خمس رضعات لما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي اللّه عنها قالت‏:‏ كان فيما أنزل من القرآن ‏(‏عشر رضعات معلومات يحرمن‏)‏ ثم نسخن بخمس معلومات فتوفي النبي صلى اللّه عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يرضع خمس رضعات، ولهذا قال الشافعي وأصحابه، ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور، وقد قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة عند قوله‏:‏ ‏{‏والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لم أراد أن يتم الرضاعة‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم‏}‏ أما أمُّ المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على بنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها، وأما الربيبةوهي بنت المرأة فلا تحرم حتى يدخل بأمها، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز أن يتزوج بنتها، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهنَّ، فإن لم تكونوا دخلتم بهنَّ فلا جناح عليكم‏}‏ في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدهن، وقد فهم بعضهم عود الضمير إلى الأمهات والربائب فقال‏:‏ لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها لقوله‏:‏ ‏{‏فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم‏}‏ وجمهور العلماء على أن الربيبة لا تحرم بالعقد على الأم بخلاف الأم فإنها تحرم بمجرد العقد، قال ابن أبي حاتم‏:‏ عن ابن عباس‏:‏ أنه كان يقول‏:‏ إذا طلق الرجل المرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل لها أمها، وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديماً وحديثاً، وللّه الحمد والمنة‏.‏

وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وربائبكم اللاتي في حجوركم‏}‏ فالجمهور على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا‏:‏ وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء أن أردن تحصنا‏}‏ وفي الصحيحين أن أم حبيبة قالت‏:‏ يا رسول اللّه انكح أختي بنت أبي سفيان، وفي لفظ لمسلم عزة بنت أبي سفيان قال‏:‏ ‏(‏أو تحبين ذلك‏)‏‏؟‏ قالت‏:‏ نعم لست بك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، قال‏:‏ ‏(‏فإن ذلك لا يحل لي‏)‏ قالت‏:‏ فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة قال‏:‏ ‏(‏بنت أم سلمة‏)‏ قالت‏:‏ نعم قال‏:‏ ‏(‏إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لبنت أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن عليَّ بناتكن ولا أخواتكن‏)‏ وفي رواية للبخاري‏:‏ ‏(‏إن لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي‏)‏ فجعل المناط في التحريم مجرد تزوجه أم سلمة وحكم بالتحريم بذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف، وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل فإذا لم تكن كذلك فلا تحرم وهو قول غريب جداً، وإلى هذا ذهب داود الظاهري وأصحابه، واختاره ابن حزم، وحكى لي شيخنا الحافظ الذهبي أنه عرض هذا على الشيخ الإمام تقي الدين ابن تيمية رحمه الّه فاستشكله وتوقف في ذلك واللّه أعلم؛ وأما الربيبة في ملك اليمين فقد قال الإمام مالك بن أنس‏:‏ أن عمر ابن الخطاب سئل عن المرأة وبنتها من ملك اليمين توطأ إحداهما بعد الأخرى فقال عمر‏:‏ ما أحب أن أجيزهما جميعاً‏:‏ يريد أن أطأهما جميعاً بملك يميني، وعن طارق بن عبد الرحمن بن قيس قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ أيقع الرجل على المرأة وابنتها مملوكين له‏؟‏ فقال آية وحرمتهما آية، ولم أكن لأفعله، وقال الشيخ ابن عبد البر رحمه اللّه‏:‏ لا خلاف بين العلماء أنه لا يحل لأحد أن يطأ امرأة وبنتها من ملك اليمين لأن اللّه حرم ذلك في النكاح، قال‏:‏ ‏{‏وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم‏}‏، وملك اليمين عندهم تبع للنكاح إلا ما روي عن عمر وابن عباس، وليس على ذلك أحد من أئمة الفتوى ولا من تبعهم، وروى هشام عن قتادة‏:‏ بنت الربيبة وبنت ابنتها لا تصلح إن كانت أسفل ببطون كثيرة، ومعنى قوله‏:‏ ‏{‏اللاتي دخلتم بهن‏}‏ أي نكحتموهن قاله ابن عباس وغير واحد، وقال ابن جرير‏:‏ وفي إجماع الجميع على أن خلوة الرجل بامرأة لا تحرم ابنتها عليه إذا طلقها قبل مسيسها ومباشرتها، وقبل النظر إلى فرجها بشهوة ما يدل على أن معنى ذلك هو الوصول إليها بالجماع‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم‏}‏ أي وحرمت عليكم زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم، يحترز بذلك عن الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية‏.‏ قال ابن جريرج‏:‏ سألت عطاء عن قوله‏:‏ ‏{‏وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم‏}‏ قال‏:‏ كنا نحدّث - واللّه أعلم - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما نكح امرأة زيد قال المشركون بمكة في ذلك فأنزل اللّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم‏}‏ ونزلت‏:‏ ‏{‏وما جعل أدعياءكم أبناءكم‏}‏، ونزلت‏:‏ ‏{‏ما كان محمد أبا أحد من رجالكم‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف‏}‏ الآية، أي وحرم عليكم الجمع بن الأختين معاً في التزويج وكذا في ملك اليمين، إلا ما كان منكم في جاهليتكم فقد عفونا عنه وغفرناه، فدل على أنه لا مثنوية فيما يستقبل لأنه استثنى مما سلف، كما قال‏:‏ ‏{‏ولا يذوقون فيه الموت إلا الموتة الأولى‏}‏ فدل على أنهم لا يذوقون فيها الموت أبداً، وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً، على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح، ومن أسلم وتحته أختان خير فيمسك إحداهما ويطلق الأخرى لا محالة، قال الإمام أحمد‏:‏ عن الضحاك بن فيروز عن أبيه قال‏:‏ أسلمت وعندي امرأتان أختان فأمرني النبي صلى اللّه عليه وسلم أن أطلق إحداهما، وفي لفظ للترمذي‏:‏ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏اختر أيتهما شئت‏)‏ ‏"‏أخرجه أحمد والترمذي، وقال الترمذي‏:‏ حديث حسن‏"‏وعن أبي خراش الرعيني قال‏:‏ قدمت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعندي أختان تزوجتهما في الجاهلية فقال‏:‏ ‏(‏إذا رجعت فطلق إحداهما‏)‏ وأما الجمع بين الأختين في ملك اليمين فحرام أيضاً لعموم الآية، وروي ابن أبي حاتم عن ابن مسعود أنه سئل عن الرجل يجمع بين الأختين فكرهه، فقال له - يعني السائل - يقول اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏، فقال له ابن مسعود رضي اللّه تعالى عنه‏:‏ وبعيرك مما ملكت يمينك، وهذا هو المشهور عن الجمهور والأئمة الأربعة وغيرهم، وإن كان بعض السلف قد توقف في ذلك، وقال الإمام مالك‏:‏ سأل رجل عثمان بن عفان عن الأختين في ملك اليمين هل يجع بينهما‏؟‏ فقال عثمان‏:‏ أحلتهما آية وحرمتهما آية، وما كنت لأمنع ذلك، فخرج من عنده فلقي رجلاً من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فساله عن ذلك، فقال‏:‏ لو كان لي من الأمر شيء ثم وجدت أحداً فعل ذلك لجعلته نكالا، وقال مالك قال ابن شهاب‏:‏ أراه علي بن أبي طالب‏.‏

وعن إياس بن عامر قال‏:‏ سألت علي بن أبي طالب فقلت‏:‏ إن لي أختين مما ملكت يميني اتخذت إحداهما سرية فولدت لي أولاداً ثم رغبت في الأخرى فما أصنع‏؟‏ فقال علي رضي اللّه عنه‏:‏ تعتق التي كنت تطأ ثم تطأ الأخرى، قلت‏:‏ فإن ناساً يقولون بل تزوّجُها ثم تطأ الأخرى، فقال علي‏:‏ أرأيت إن طلقها زوجها أو مات عنها أليس ترجع إليك‏؟‏ لأن تعتقها أسلم لك، ثم أخذ علي بيدي فقال لي‏:‏ إنه يحرم عليك مما ملكت يمينك ما يحرم عليك في كتاب اللّه عزّ وجل من الحرائر إلا العدد أو قال إلا الأربع ويحرم عليك من الرضاع ما يحرم عليك في كتاب الله من النسب ‏"‏رواه ابن عبد البر في الاستذكار‏"‏ثم قال أبو عمر‏:‏ هذا الحديث لو رحل رجل ولم يصب من أقصى المغرب والمشرق إلى مكة غيره لما خابت رحلته‏.‏ وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود قال‏:‏ يحرم من الإماء ما يحرم من الحرائر إلا العدد، وجماعة الفقهاء متفقون على أنه لا يحل الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء كما لا يحل ذلك في النكاح، وقد أجمع المسلمون على أن معنى قوله‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم‏}‏ إلى آخر الآية أن النكاح وملك اليمين في هؤلاء كلهن سواء، وكذلك يجب أن يكون نظراً وقياساً الجمع بين الأختين، وأمهات النساء والربائب، وكذلك هو عند جمهورهم وهم الحجة المحجوج بها من خالفها وشذ عنها‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ أي وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات وهن المزوجات ‏{‏إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ يعني إلا ما ملكتموهن بالسبي فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن فإن الآية نزلت في ذلك، وقال الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ أصبنا سبياً من سبي أوطاس، ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ فاستحللنا فروجهن‏.‏ وفي رواية مسلم أن أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أصابوا سبياً يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناس من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كفوا وتأثموا من غشيانهن قال‏:‏ فنزلت هذه الآية في ذلك‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقاً لها من زوجها أخذاً بعموم هذه الآية، وقال ابن جرير‏:‏ كان عبد اللّه يقول‏:‏ بيعها طلاقها ويتلو هذه الآية‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم‏}‏ وعن ابن مسعود قال‏:‏ إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها وعن ابن المسيب قوله‏:‏ ‏{‏المحصنات من النساء‏}‏، قال‏:‏ هذه ذوات الأزواج حرم اللّه نكاحهن إلا ما ملكت يمينك فبيعها طلاقها‏.‏

فهذا قول هؤلاء من السلف وقد خالفهم الجمهور قديماً وحديثا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقا لها، لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيّرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي صلى اللّه عليه وسلم، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط واللّه أعلم، وقد قيل المراد بقوله‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النساء‏}‏ يعني العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً أو اربعاً، حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس وغيرهما، وقال عمر وعبيدة‏:‏ ‏{‏والمحصنات من النساء‏}‏ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كتاب اللّه عليكم‏}‏ أي هذا التحريم كتاب كتبه اللّه عليكم، يعني الأربع فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه‏.‏ وقال عطاء والسدي في قوله‏:‏ ‏{‏كتاب اللّه عليكم‏}‏ يعني الأربع، وقال إبراهيم‏:‏ ‏{‏كتاب اللّه عليكم‏}‏ يعني ما حرم عليكم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحل لكم ما وراء ذلكم‏}‏ أي ما عدا من ذكرن من المحارم هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره، وقال قتادة‏:‏ ‏{‏وأحل لكم ما وراء ذلكم‏}‏‏:‏ يعني ما ملكت أيمانكم، وهذه الآية التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال‏:‏ أحلتهما آية وحرمتهما آية، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن تبتغوا بأمواركم محصنين غير مسافحين‏}‏ أي تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى اربع، أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏محصنين غير مسافحين‏}‏‏.‏

تابع 23 ‏{‏ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ ‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏ ‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فما استمعتم به منهن فآتوهن أجورهم فريضة‏}‏ أي كما تستمعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض‏}‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض‏}‏ وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا النساء صدقاتهن نحلة‏}‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً‏}‏ وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح، ثم نسخ ثم أبيح ثم نسخ مرتين‏.‏ وقال آخرون‏:‏ إنما أبيح مرة ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك، وقد قيل بإباحتها لضرورة وهي رواية عن الإمام أحمد، وقال مجاهد‏:‏ نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قال‏:‏ نهى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن نكاح المتعة، وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب الأحكام، وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة بن معبد الجهني عن أبيه أنه غزا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم فتح مكة فقال‏:‏ ‏(‏يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء وإن اللّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً‏)‏، وفي رواية لمسلم في حجة الوداع وله ألفاظ موضعها كتاب الأحكام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة‏}‏ أي إذا فرضت لها صداقاً فأبرأتك منه أو عن شيء منه فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك، وقال ابن جرير‏:‏ إن رجالاً كانوا يفرضون المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة فقال‏:‏ ولا جناح عليكم أيها الناس فيما تراضيتم به من بعد الفريضة، يعني إن وضعت لك منه شيئاً فهو لك سائغ، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏ولا جناج عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة‏}‏ والتراضي أن يوفيها صداقها، ثم يخيرها يعني في المقام أو الفراق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن اللّه كان عليما حكيما‏}‏ مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات‏.‏  ">الآية رقم ‏(‏25‏)‏">

الآية رقم ‏(‏25‏)‏

‏{‏ ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏ومن لم يجد منكم طولاً‏}‏ أي سعة وقدرة ‏{‏أن ينكح المحصنات المؤمنات‏}‏ أي الحرائر العفائف المؤمنات، ‏{‏فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات‏}‏ أي فتزوجوا من الإمام المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏من فتياتكم المؤمنات‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ فلينكح من إماء المؤمنين، ثم اعترض بقوله‏:‏ ‏{‏والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض‏}‏ أي هو العالم بحقائق الامور وسرائرها، وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور، ثم قال‏:‏ ‏{‏فانكحوهن بإذن أهلهن‏}‏ فدل على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده ليس له أن يتزوج بغير إذنه، كما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر‏)‏ أي زان، فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها لما جاء في الحديث‏:‏ ‏(‏لا تزوج المرأة المرأة، ولا المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها‏)‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوهن أجورهن بالمعروف‏}‏ أي وادفعوا مهورهن بالمعروف، أي عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا منه شيئاً استهانة بهن لكونهن إماء مملوكات، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏محصنات‏}‏ أي عفائف عن الزنا لا يتعاطينه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏غير مسافحات‏}‏ وهن الزواني اللاتي لا يمعنعن من أرادهن بالفاحشة، وقوله تعالى ‏{‏ولا متخذات أخدان‏}‏ قال ابن عباس المسافحات هن الزواني المعلنات يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدا أرادهن بالفاحشة ومتخذات أخدان يعني أخلاء، وقال الحسن البصري‏:‏ يعني الصديق، وقال الضحاك‏:‏ ذات الخليل الواحد المقرة به، نهى اللّه عن ذلك يعني تزويجها ما دامت كذلك‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا أحصن فإن أتين فاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب‏}‏ اختلف القراء في ‏{‏أُحْصِنَّ‏}‏ فقرأه بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد مبني لما لم يسم فاعله، وقرىء بفتح الهمزة والصاد فعل لازم، ثم قيل‏:‏ معنى القراءتين واحد، واختلفوا فيه على قولين‏:‏

أحدها أن المراد بالإحصان ههنا الإسلام روي ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وقيل‏:‏ المراد به ههنا التزويج وهو قول ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والحسن وغيرهم، وقد روي عن مجاهد أنه قال‏:‏ إحصان الاّمَة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة، وكذا روي عن ابن عباس رواهما ابن جرير في تفسيره، وقيل‏:‏ معنى القراءتين متباين، فمن قرأ ‏{‏أحصنَّ‏}‏ بضم الهمزة فمراده التزيج، ومن قرأ بفتحها فمراده الإسلام، اختاره أبو جعفر بن جرير في تفسيره وقرره ونصره؛ والأظهر واللّه أعلم‏:‏ أن المراد بالإحصان ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول سبحانه‏:‏ ‏{‏ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات‏}‏، والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله‏:‏ ‏{‏فإذا أحصن‏}‏ أي تزوجن كما فسره ابن عباس وغيره‏.‏ وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور، وذلك أنهم يقولون‏:‏ إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكراً، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد غير المحصنة من الإماء، وقد اختلف أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا‏:‏ المنطوق مقدم على المفهوم، وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء فقدمناها على مفهوم الآية، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحة عن علي رضي اللّه عنه أنه خطب فقال‏:‏ يا أيها الناس أقيموا الحد على إمائكم من أحصن منهن ومن لم يحصن، فإن أمةً لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زنت فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس فخشيت إن جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏أحسنت اتركها حتى تتماثل‏)‏ وفي رواية‏:‏ ‏(‏فإذا تعافت من نفاسها فاجلدها خمسين‏)‏ وعن أبي هريرة قال‏:‏ سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثانية فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر‏)‏

الجواب الثاني ‏:‏ جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديباً وهو المحكي عن ابن عباس رضي اللّه عنه، وإليه ذهب طاووس وسعيد بن جبير وغيرهما‏.‏ وعمدتهم مفهوم الآية، وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فقدم على العموم عندهم وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏إن زنت فحدُّوها، ثم إن زنت فاجلدوها‏.‏ ثم بيعوها ولو بضفير‏.‏ قال ابن شهاب‏:‏ لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة‏.‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏ وعن مسلم قال ابن شهاب‏:‏ الضفير‏:‏ الحبل‏(‏، قالوا‏:‏ فلم يؤقت فيه عدد كما أقت في المحصنة، وكما وقت في القرآن بنصف ما على المحصنات، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك واللّه أعلم‏.‏ قال أبو عبد اللّه الشافعي رحمه الله‏:‏ ولم يختلف المسلمون في أن لا رجم على مملوك في الزنا؛ وذلك لأن الآية دلت على أن عليهن نصف ما على المحصنات من العذاب، والألف واللام في المحصنات للعهد، وهن المحصنات المذكورات في أول الآية‏:‏ ‏{‏ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات‏}‏ والمراد بهن الحرائر فقط من غير تعرض للتزويج بحرة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏نصف ما على المحصنات من العذاب‏}‏ يدل على أن المراد من العذاب الذي يمكن تبعيضه وهو الجلد لا الرجم، واللّه أعلم‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك لمن خشي العنت منكم‏}‏ أي إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، فله حينئذ أن يتزوج بالأمة، وإن ترك تزوجها وجاهد نفسه في الكف عن الزنا فهو خير له، لأنه إذا تزوجها جاء أولاده أرقاء لسيدها، إلا أن يكون الزوج غريباً فلا تكون أولاده منها أرقاء في قول قديم للشافعي، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏وأن تصبروا خير لكم واللّه غفور رحيم‏}‏ ومن هذه الآية الكريمة استدل جمهور العلماء في جواز العلماء نكاح الإماء على أنه لا بد من عدم الطول لنكاح الحرائر، من خوف العنت، لما في نكاحهن من مفسدة رق الأولاد، ولما فيهن من الدناءة في العدول عن الحرائر إليهن، وخالف الجمهور أبو حنيفة وأصحابه في اشتراط الأمرين فقالوا‏:‏ متى لم يكن الرجل مزوجاً بحرة جاز له نكاح الأمة المؤمنة والكتابية أيضاً، سواء كان واجداً لطول حرة أم لا، وسواء خاف العنت أم لا وعمدتهم فيما ذهبوا إليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم‏}‏ أي العفائف وهو يعم الحرائر والإماء، وهذه الآية عامة وهذه أيضاً ظاهرة في الدلالة على ما قاله الجمهور، واللّه أعلم‏.‏  ">الآية رقم ‏(‏26 ‏:‏ 28‏)‏">

الآية رقم ‏(‏26 ‏:‏ 28‏)‏

‏{‏ يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم ‏.‏ والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما ‏.‏ يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا ‏}‏

يخبر تعالى أنه يريد أن يبين لكم أيها المؤمنون ما أحل لكم وحرم عليكم، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، ‏{‏ويهديكم سنن الذين من قبلكم‏}‏ يعني طرائقهم الحميدة واتباع شرائعه التي يحبها ويرضاها، ‏{‏ويتوب عليكم‏}‏ أي من الإثم والمحارم، ‏{‏واللّه عليم حكيم‏}‏ أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله، ‏{‏ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيماً‏}‏ أي يريد أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة أن تميلوا عن الحق إلى الباطل ميلاً عظيما‏.‏ ‏{‏يريد اللّه أن يخفف عنكم أي في شرائعه وأوامره ونواهي وما يقدره لكم، ولهذا أباح الإماء بشروط كما قال مجاهد وغيره، ‏{‏وخلق الإنسان ضعيفاً‏}‏ فناسبه التخفيف لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته‏.‏ وقال‏:‏ طاووس‏:‏ ‏{‏وخلق الإنسان ضعيفاً‏}‏ أي في أمر النساء، وقال وكيع‏:‏ يذهب عقله عندهن، وقال موسى عليه السلام لنبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم ليلة الإسراء‏.‏ ماذا فرض عليكم‏؟‏ فقال‏:‏ أمرني بخمسين صلاة في كل يوم وليلة، فقال له‏:‏ ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعاً وأبصاراً وقلوباً؛ فرجع فوضع عشراً، ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمساً‏.‏  ">الآية رقم ‏(‏29 ‏:‏ 31‏)‏">

الآية رقم ‏(‏29 ‏:‏ 31‏)‏

‏{‏ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ‏.‏ ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ‏.‏ إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما ‏}‏

ينهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً بالباطل، أي بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية كأنواع الربا والقمار وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في قلب الحكم الشرعي مما يعلم اللّه أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير، عن ابن عباس في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول‏:‏ إن رضيته أخذته وإلا رددت معه درهماً، قال‏:‏ هو الذي قال اللّه عزّ وجلَّ فيه‏:‏ ‏{‏ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‏}‏ وعن علقمة بن عبد اللّه في الآية قال‏:‏ إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة، وقال ابن عباس‏:‏ لما أنزل الله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل‏}‏ قال المسلمون‏:‏ إن اللّه قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل والطعام هو أفضل أموالنا، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فكيف للناس‏؟‏‏!‏ فأنزل اللّه بعد ذلك‏:‏ ‏{‏ليس على الأعمى حرج‏}‏ الآية‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم‏}‏ الاستثناء منقطع كأنه يقول‏:‏ لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها، وتسببوا بها في تحصيل الأموال، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى‏}‏، ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول لأنه يدل على التراضي نصاً بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا، وخالف الجمهور في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، فكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعاً، فصححوا بيع المعاطاة مطلقاً، ومنهم من قال‏:‏ يصح في المحقرات وفيما يعده الناس بيعاً، وهو احتياط نظر من محققي المذهب واللّه أعلم‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ ‏{‏إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم‏}‏ بيعاً أو عطاء يعطيه أحد أحداً، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏البيع عن تراض، والخيار بعد الصفقة، ولا يحل لمسلم أن يغش مسلماً‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن جرير وهو حديث مرسل هذا حديث مرسل، ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس كما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏البيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا‏)‏، وفي لفظ البخاري‏:‏ ‏(‏إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا‏)‏، وذهب إلى القول يمقتضى هذا الحديث أحمد والشافعي وأصحابهما وجمهور السلف والخلف، ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة ايام، بحسب ما يتبين فيه حال البيع ولو إلى سنة في القرية ونحوها كما هو المشهور عن مالك رحمه اللّه، وصححوا بيع المعاطاة مطلقاً وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال‏:‏ يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعاً، وهو اختيار طائفة من الأصحاب كما هو متفق عليه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم‏}‏ أي بارتكاب محارم اللّه وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل ‏{‏إن اللّه كان بكم رحيما‏}‏ أي فيما أمركم به ونهاكم عنه‏.‏ عن عمروا بن العاص رضي اللّه عنه أنه قال‏:‏ لما بعثه النبي صلى اللّه عليه وسلم عام ذات السلاسل قال‏:‏ احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال‏:‏ فلما قدمنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال‏:‏ ‏(‏يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب‏)‏‏؟‏ قال‏:‏ قلت يا رسول اللّه إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك فذكرت قول اللّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً‏}‏ فتيممت ثم صليت، فضحك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولم يقل شيئاً ‏"‏رواه أحمد وأبو داود‏"‏وأورد ابن مردويه عند هذه الآية الكريمة عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها ابداً‏)‏، وفي الصحيحين‏:‏ ‏(‏من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة‏)‏ وفي الصحيحين ايضاً عن جندب بن عبد الله البجلي قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏كان رجل ممن كان قبلكم وكان به جرح فأخذ سكيناً نحر بها يده فما رقأ الدم حتى مات، قال اللّه عزَّ وجلّ‏:‏ عبدي بادرني بنفسه حرمت عليه الجنة‏(‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ومن يفعل ذلك عدواناً وظلماً‏}‏ أي ومن يتعاطى ما نهاه اللّه عنه معتدياً فيه، ظالماً في تعاطيه، أي عالماً بتحريمه متجاسراً على انتهاكه ‏{‏فسوف نصليه ناراً‏}‏ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد فليحذر منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تجتنبوا كبارئر ما تهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم‏}‏ الآية‏.‏ أي إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها، كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏ولنخلكم مدخلاً كريماً‏}‏، وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر‏.‏ قال أبو جعفر بن جرير عن صهيب مولى الصواري، أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد يقولان‏:‏ خطبنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوماً فقال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده‏)‏ ثلاث مرات ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري ماذا حلف عليه، ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر فكان أحب إلينا من حمر النعم فقال‏:‏ ‏(‏ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة ثم قيل له ادخل بسلام‏)‏ ‏"‏رواه النسائي والحاكم وابن حبان‏"‏

تفسير هذه السبع ‏:‏ وذلك بما ثبت في الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏اجتنبوا السبع الموبقات‏)‏ قيل‏:‏ يا رسول اللّه وما هن‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏الشرك باللّه وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات‏)‏ فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر، لا ينفي ما عداهن إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيما عند قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع حديث آخر ‏:‏ قال الإمام أحمد عن أبي أيوب قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏من عبد اللّه لا يشرك به شيئاً، وأقام الصلاة وآتى الزكاة، وصام رمضان واجتنب الكبائر فله الجنة - أو دخل الجنة - فسأله رجل ما الكبائر‏؟‏ فقال‏:‏ الشرك باللّه وقتل نفس مسلمة، والفرار من الزحف‏)‏ وكتب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى أهل اليمن كتاباً فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم وكان في الكتاب‏:‏ إن أكبر الكبائر عند اللّه يوم القيامة‏:‏ إشراك باللّه، وقتل النفس المؤمنة بغير حق، والفرار في سبيل اللّه يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم‏)‏ ‏"‏أخرجه ابن مردويه‏"‏ حديث آخر فيه ذكر شهادة الزور ‏:‏ عن أنس بن مالك قال‏:‏ ذكر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال‏:‏ ‏(‏الشرك بالله، وقتل النفس، وعقوق الوالدين‏)‏، وقال‏:‏ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر‏؟‏ قلنا‏:‏ بلى، قال‏:‏ ‏(‏الإشراك بالله، وقول الزور - أو شهادة الزور - ‏)‏ وأخرجه الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏الا أنبئكم بأكبر الكبائر‏)‏‏؟‏ قلنا‏:‏ بلى، يا رسول اللّه، قال‏:‏ ‏(‏الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين - وكان متكئاً فجلس، فقال‏:‏ ‏(‏الا وشهادة الزور، ألا وقول الزور‏)‏، فما زال يكررها حتى قلنا‏:‏ ليته سكت‏.‏

حديث آخر فيه ذكر قتل الولد ‏:‏ عن عبد اللّه بن مسعود قال، قلت‏:‏ يا رسول اللّه أي الذنب أعظم‏؟‏ وفي رواية أكبر‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تجعل للّه نداً وهو خلقك‏)‏، قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك‏)‏ قلت‏:‏ ثم أي‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تزاني حليلة جارك‏)‏، ثم قرأ‏:‏ ‏{‏والذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر - إلى قوله - إلا من تاب‏}‏ ‏"‏الحديث في الصحيحين‏"‏

حديث آخر في اليمين الغموس ‏:‏ قال ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن أنيس الجهني عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏أكبر الكبائر الإشراك باللّه، وعقوق الوالدين، واليمني الغموس، وما حلف حالف باللّه يمين صبر فأدخل فيها مثل جناح البعوضة إلا كانت وكتة في قلبه إلى يوم القيامة‏)‏ حديث آخر في التسبب إلى شتم الوالدين‏:‏ عن عبد اللّه بن عمر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏)‏من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه‏)‏ قالوا‏:‏ وكيف يلعن الرجل والديه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه‏)‏ ‏"‏رواه البخاري ومسلم‏"‏وثبت في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر‏)‏

حديث آخر ‏:‏ عن ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال‏:‏ ‏(‏الإضرار في الوصية من الكبائر‏)‏، قال ابن أبي حاتم‏:‏ هو صحيح عن ابن عباس من قوله حديث آخر في ذلك ‏:‏ قال ابن جرير عن أبي أمامة‏:‏ أن أناساً من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم ذكروا الكبائر وهو متكىء فقالوا‏:‏ الشرك باللّه، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف وقذف المحصنة، وعقوق الوالدين، وقول الزور، والغلول، والسحر، وأكل الربا، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏فأين تجعلون الذين يشترون بعهد اللّه وايمانهم ثمناً قليلاُ‏)‏‏؟‏ إلى آخر الآية ‏"‏قال ابن كثير‏:‏ في إسناده ضعف وهو حسن‏"‏

ذكر أقوال السلف في ذلك قال ابن جرير عن الحسن‏:‏ أنا ناساً سألوا عبد اللّه بن عمرو بمصر، فقالوا‏:‏ نرى أشاياء من كتاب اللّه عزَّ وجلَّ أمر أن يعمل بها لا يعمل بها، فاردنا أن نلقي أمير المؤمنين في ذلك فقدم وقدموا معه، فلقي عمر رضي اللّه عنه، فقال‏:‏ متىقدمت‏؟‏ منذ كذا وكذا، قال‏:‏ أبإذنٍ قدمت‏؟‏ قال‏:‏ فلا أدري كيف رد عليه‏.‏ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين إن ناساً لقوني بمصر، فقالوا‏:‏ إنا نرى أشياء في كتبا اللّه أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك‏.‏ قال فاجمعهم لي قال‏:‏ فجمعتهم له‏.‏ قال ابن عون - أظنه قال في بهو - ‏:‏ فأخذ أدناهم رجلاً فقال‏:‏ أنشدك بالله بحق الإسلام عليك، أقرأت القرآن كله‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فهل أحصيته في نفسك‏؟‏ فقال‏:‏ اللهم لا، قال‏:‏ ولو قال نعم لخصمه‏.‏ قال‏:‏ فهل أحصيته في بصرك‏؟‏ فهل أحصيته في لفظك‏؟‏ هل أحصيته في أثرك‏؟‏ ثم تتبعهم حتى أتى على آخرهم، فقال‏:‏ ثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله‏؟‏ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات، قال‏:‏ وتلا ‏{‏إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم‏}‏ الآية‏.‏ ثم قال‏:‏ هل علم أهل المدينة‏؟‏ أو قال‏:‏ هل علم أحد بما قدمتم‏؟‏ قالوا‏:‏ لا، قال‏:‏ لو علموا لوعظت بكم ‏"‏أخرجه ابن جرير وقال ابن كثير‏:‏ إسناد صحيح ومتن حسن‏"‏

أقوال ابن عباس في ذلك

روى ابن جرير عن طاوس، قال‏:‏ جاء رجل إلى ابن عباس، فقال‏:‏ أرأيت الكبائر السبع التي ذكرهن اللّه ما هن‏؟‏ قال‏:‏ هن إلى السبعين أدنى منهن إلى سبع، وقال عبد الرزاق قيل‏:‏ لابن عباس الكبائر سبع‏؟‏ قال‏:‏ هن إلى السبعين أقرب؛ وقال ابن جرير عن سعيد بن جبير‏:‏ أن رجلاً قال النب عباس‏:‏ كم الكبائر، سبع‏؟‏ قال‏:‏ هن إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار‏:‏ ولا صغيرة مع إصرار‏.‏ وعن ابن عباس في قوله ‏{‏إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه‏}‏ قال‏:‏ الكبائر كل ذنب ختمه اللّه بنار، أو غضب، أو لعنة، أو عذاب‏.‏ وسئل ابن عباس عن الكبائر فقال‏:‏ كل شيء عصي اللّه به فهو كبيرة‏.‏ وقد اختلف علماء الأصول والفروع في حد الكبيرة، فمن قائل‏:‏ هي ما عليه حدّ في الشرع، ومنهم من قال‏:‏ هي ما عليه وعيد مخصوص من الكتاب والسنّة، وقيل غير ذلك‏.‏ قال [1]أبو القاسم عبد الكريم الرافعي في كتابه الشرح الكبير ‏:‏ ثم اختلف الصحابة رضي اللّه عنهم فمن بعدهم في الكبائر، وفي الفرق بينها وبين الصغائر، ولبعض الأصحاب في تفسير الكبيرة وجوه أحدها‏:‏ أنها المعصية الموجبة للحد، والثاني ‏:‏ أنها المعصية التي يلحق صاحبها الوعيد الشديد بنص كتاب أو سنّة، وهذا أكثر ما يوجد لهم وإلى الأول أميل، لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفسير الكبائر، والثالث ‏:‏ قال إمام الحرمين‏:‏ كل جريمة تنبىء بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة فهي مبطلة للعدالة، والرابع ‏:‏ ذكر القاضي أبو سعيد الهروي‏:‏ أن الكبيرة كل فعل نص الكتاب على تحريمه، وكل معصية توجب في جنسها حداً من قتل أو غيره‏.‏

ثم قال‏:‏ وفصَّل الروياني فقال‏:‏ الكبائر سبع‏:‏ قتل النفس بغير الحق، والزنا واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصباً، والقذف؛ وزاد في الشامل على السبع المذكورة‏:‏ شهادة الزور، أضاف إليها صاحب العدة ‏:‏ أكل الربا، والإفطار في رمضان بلا عذر، واليمين الفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم اللاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وضرب المسلم بلا حق، والكذب على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عمداً؛ وسب أصحابه، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والقيادة بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن النكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من رحمة الله، والأمن من مكر اللّه، ويقال الوقيعة في أهل العلم، وحملة القرآن‏.‏ ومما يعد من الكبائر‏:‏ الظهار، وأكل لحم الخنزير، والميتة إلا عن ضرورة‏.‏ قلت‏:‏ وقد صنف الناس في الكبائر مصنفات منها ما جمعه شيخنا الحافظ أبو عبد اللّه الذهبي الذي بلغ نحواً من سبعين كبيرة، وإذا قيل‏:‏ إن الكبيرة ما توعد عليها الشارع بالنار بخصوصها كما قال ابن عباس وغيره وما يتبع ذلك، اجتمع منه شيء كثير، وإذا قيل‏:‏ كل ما نهى اللّه عنه فكثير جداً‏.‏ واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏32‏)‏

‏{‏ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء عليما ‏}‏

عن مجاهد قال، قالت أم سلمة‏:‏ يا رسول اللّه يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث‏؟‏ فأنزل اللّه‏:‏ ‏{‏ولا تتمنوا ما فضل اللّه به بعضكم على بعض‏}‏ ‏"‏رواه أحمد والترميذي‏"‏وقال عبد الرزاق عن معمر قال‏:‏ نزلت هذه الآية في قول النساء ليتنا الرجال فنجاهد كما يجاهدون، ونغزو في سبيل اللّه عزَّ وجلَّ‏.‏ وقال ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية، قال‏:‏ أتت امرأة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم، فقالت‏:‏ يا رسول اللّه للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، ونحن في العمل هكذا، إن فعلت امرأة حسنة كتب لها نصف حسنة، فأنزل اللّه هذه الآية‏:‏ ‏{‏ولا تتمنوا‏}‏ الآية ‏"‏أخرجه ابن أبي حاتم‏"‏قال ابن عباس‏:‏ لا يتمنى الرجل فيقول‏:‏ ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهى اللّه عن ذلك، ولكن يسأل اللّه من فضله‏.‏ وهو الظاهر من الآية، ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح‏:‏ ‏(‏لا حسد إلافي اثنتين رجل آتاه اللّه مالاً فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل‏:‏ لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثله فهما في الأجر سواء‏)‏ الحديث فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حض على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا، ويقول‏:‏ ‏{‏ولا تتمنوا ما فضل اللّه به بعضكم على بعض‏}‏ أي في الأمور الدنيوية وكذا الدينية، لحديث أم سلمة وابن عباس، وهكذا قال عطاء بن أبي رباح‏:‏ نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكنّ رجالاً فيغزون ‏"‏رواه ابن جرير‏"‏

ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن‏}‏ أي كل له جزاء على عمله بحسبه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر‏.‏ هذا قول ابن جرير، وقيل‏:‏ المراد بذلك في الميراث أي كل يرث بحسبه، رواه الوابلي عن ابن عباس، ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم، فقال‏:‏ ‏{‏واسألوا اللّه من فضله‏}‏ ولا تتمنوا ما فضلنا به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، أي أن التمني لا يجدي شيئاً، ولكن سلوني من فضلي أعطكم، فإني كريم وهاب، وقد روى الترمذي عن عبد اللّه بن مسعود قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏سلوا اللّه من فضله فإن اللّه يحب أن يسال، وإن أفضل العبادة انتظار الفرج‏)‏ ‏"‏أخرجه الترمذي من حديث ابن مسعود‏"‏ثم قال‏:‏ ‏{‏إن اللّه كان بكل شيء عليماً‏}‏ أي هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيّضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه، ولهذا قال‏:‏ ‏{‏إن اللّه كان بكل شيء عليماً‏}‏‏.‏

 الآية رقم ‏(‏33‏)‏

‏{‏ ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شيء شهيدا ‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكل جعلنا موالي‏}‏ أي ورثة، وعن ابن عباس في رواية‏:‏ أي عصبة، قال ابن جرر‏:‏ والعرب تسمي ابن العم مولى كما قال الفضل بن عباس‏:‏

مهلاً بني عمنا، مهلاً موالينا * لا يظهرن بيننا ما كان مدفونا

قال‏:‏ ويعني بقوله ‏{‏مما ترك الوالدان والأقربون‏}‏ من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام‏:‏ ولكلكم أيها الناس جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم‏}‏ أي والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم، فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن اللّه شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا من عاقدوا ولا ينسوا بعد نزول هذه الآية معاقدة، قال البخاري عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏ولكل جعلنا موالي‏}‏ قال ورثة، ‏{‏والذين عقدت أيمانكم‏}‏ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمة للأخوة التي آخرى النبي صلى اللّه عليه وسلم بينهم، فلما نزلت‏:‏ ‏{‏ولكل جعلنا موالي‏}‏ نسخت، ثم قال‏:‏ ‏{‏والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم‏}‏ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له ‏"‏أخرجه البخاري عن ابن عباس‏"‏

وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قوله‏:‏ ‏{‏والذين عقَدت أيمانكم‏}‏ الآية، قال‏:‏ كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بينهم، فلما نزلت‏:‏ ‏{‏ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون‏}‏ نسخت، ثم قال‏:‏ والذين عقدت أيمانكم فأتوهم نصيبهم‏.‏ وعن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا حلف في الإسلام، ولكن حلف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة وما يسرني أن لي حمر النعم، وأني نقضت الحلف الذي كان في دار الندوة‏)‏ ‏"‏رواه ابن جرير‏"‏‏.‏

وقال محمد بن إسحاق عن ‏"‏داود بن الحصين‏"‏قال‏:‏ كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع مع ابن ابنها موسى بن سعد وكان يتيماً في حجر أبي بكر، فقرات عليها‏:‏ والذين عاقدت أيمانكم فقالت‏:‏ لا، ولكن ‏{‏والذين عقدت أيمانكم‏}‏ قالت‏:‏ إنما نزلت في ابي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى أن يسلم فحلف أبو بكر أن لا يروثه، فلما أسلم حمل على الإسلام بالسيف، أمر اللّه أن يورثه نصيبه ‏"‏رواه ابن جرير‏"‏والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمروا أن يوفوا بالعهود والعقود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوه قبل ذلك‏.‏ وهذا نص في الرد على من ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم، كما هو مذهب أبو حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، والصحيح قول الجمهور مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون‏}‏ أي ورثة من قراباته من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر‏)‏ أي أقسموا الميراث على أصحاب الفرائض الذين ذكرهم اللّه في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه للعصبة، وقوله‏:‏ ‏{‏والذين عقدت أيمانكم‏}‏ أي قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصبهم أي من الميراث، فأيما حلف عقد بعد ذلك فلا تأثير له، وقد قيل‏:‏ إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل وحكم الحلف الماضي أيضاً فلا توارث به، كما قال ابن عباس ‏{‏فآتوهم نصيبهم‏}‏ قال‏:‏ من النصرة والنصيحة والرفادة، وقال سعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏فآتوهم نصيبهم‏}‏ أي من الميراث، وقد اختار ابن جرر أن المراد بقوله ‏{‏فآتوهم نصيبهم‏}‏ أي من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكماً ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا مسوخة وهذا الذي قال فيه نظر، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة، ومنه ما كان على الإرض كما حكاه غير واحد من السلف، وكما قال ابن عباس كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه، حتى نسخ ذلك فكيف يقولون إن هذه الآية محكمة غير منسوخة‏؟‏ واللّه أعلم‏.‏

 الآية رقم ‏(‏34‏)‏

‏{‏ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ‏}‏

يقول تعالى‏:‏ ‏{‏الرجال قوامون على النساء‏}‏ أي الرجل قيم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجت ‏{‏بما فضَّل اللّه بعضهم على بعض‏}‏ أي لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة ولهذا كانت النبوة مختصة بالرجال، وكذلك الملك الاعظم لقوله صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏‏(‏لن يفلح قوم ولَّو أمرهم امرأة‏)‏ رواه البخاري، وكذا منصب القضاء وغير ذلك ‏{‏وبما أنفقوا من أموالهم‏}‏ أي من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها اللّه عليهم لهن في كتابه وسنّة نبيه صلى اللّه عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيماً عليها كما قال اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏وللرجال عليهن درجة‏}‏ الآية، وقال ابن عباس‏:‏ ‏{‏الرجال قوامون على النساء‏}‏ يعني أمراء عليهن، أي تطيعه فيما أمرها اللّه به من طاعته، وطاعتُه أن تكون محسنة لأهله حافظة لماله‏.‏ وقال الحسن البصري‏:‏ جاءت امرأة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم تشكو أن زوجها لطمها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏‏(‏القصاص‏)‏ فأنزل اللّه عزّ وجلّ‏:‏ ‏{‏الرجال قوامون على النساء‏}‏ الآية‏.‏ فرجعت بغير قصاص، وقد أسنده ابن مردويه عن علي قال‏:‏ أتى رسولَ اللّه صلى اللّه عليه وسلم رجلٌ من الأنصار بامرأة له، فقالت‏:‏ يا رسول اللّه أن زوجها فلان بن فلان الأنصاري وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ليس له ذلك، فأنزل اللّه تعالى‏:‏ ‏{‏الرجال قوامون على النساء‏}‏ أي في الأدب فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏أردت أمراً وأراد اللّه غيره‏)‏ أورد ذلك كله ابن جرير‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فالصالحات‏}‏ أي من النساء ‏{‏قانتات‏}‏، قال ابن عباس‏:‏ يعني مطيعات لأزواجهن ‏{‏حافظات للغيب‏}‏ وقال السدي وغيره‏:‏ أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله، وقوله‏:‏ ‏{‏بما حفظ اللّه‏}‏ أي المحفوظ من حفظه الله‏.‏ عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك‏)‏، قال‏:‏ ثم قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية‏:‏ ‏{‏الرجال قوامون على النساء‏}‏ إلى آخرها ‏"‏رواه ابن جرير وابن أبي حاتم‏"‏وقال الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن عوف قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها قيل لها ادخلي الجنة من أي الأبواب شئت‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والاتي تخافون نشوزهن‏}‏ أي النساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن، والنشوز هو الإرتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، والمعرضة عنه، المبغضة له، فمتى ظهر لها منها أمارات النشوز فليعظها، وليخوفها عقاب اللّه في عصيانه، فإن اللّه قد أوجب حق الزوج عليها طاعته، وحرم عليها معصيته لما له عليه من الفضل والإفضال، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لو كنت آمراً أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها‏)‏ ‏"‏أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة‏"‏وروى البخاري عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال‏:‏، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه لعنتها الملائكة حتى تصبح‏)‏ ورواه مسلم ولفظه‏:‏ ‏(‏إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح‏)‏، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واهجروهن في المضاجع قال ابن عباس‏:‏ الهجر هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره، وكذا قال غير واحد وزاد آخرون في رواية‏:‏ ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس‏:‏ يعظها فإن هي قبلت، وإلا هجرها في المضجع ولا يكلمها من غير أن يرد نكاحها وذلك عليها شديد‏.‏ وقال مجاهد والشعبي‏:‏ الهجر هو أن لا يضاجعها‏.‏ وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال‏:‏ يا رسول اللّه ما حق امرأة أحدنا عليه‏؟‏ قال‏:‏ ‏(‏أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلا في البيت‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏واضربوهن‏}‏ أي إذا لم يرتدعن بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضرباً غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال في حجة الوداع‏:‏ ‏)‏واتقوا اللّه في النساء فإنهن عندكم عوان عوان‏:‏ أي أسيرات، شبههنّ عليه السلام بالأسيرات شفقة ورحمة ولكم عليهن أن لا يطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف‏)‏ وكذا قال ابن عباس وغير واحد‏:‏ ضرباً غير مبرح‏.‏ قال الحسن البصري‏:‏ يعني غير مؤثر، قال الفقهاء‏:‏ هو أن لا يكسر فيها عضواً ولا يؤثر فيها شيناً، وقال ابن عباس‏:‏ يهجرها في المضجع فإن أقبلت وإلا فقد أذن اللّه لك أن تضربها ضرباً غير مبرح، ولا تكسر لها عظماً فإن أقبلت، وإلا فقد أحل اللّه لك منها الفدية‏.‏ وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لا تضربوا إماء الله‏)‏، فجاء عمر رضي اللّه عنه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ ذئرت النساء على أزواجهن، فرخص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ضربهن، فأطاف بآل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نساء كثير يشتكين أزواجهن، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ‏:‏ ‏(‏لقد أطاف بآل محمد نساء كثير يشتكين من أزواجهن ليس أولئك بخياركم‏)‏ ‏"‏رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة‏"‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا‏}‏ أي إذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريده منها، مما أباحه اللّه له منها فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إن اللّه كان علياً كبيراً‏}‏ تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن اللّه العلي الكبير وليهُنَّ، وهو ينتقم ممن ظلمهُنَّ وبغى عليهن‏.‏

 الآية رقم ‏(‏35‏)‏

‏{‏ وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ‏}‏

ذكر الحال الأول، وهو‏:‏ إذا كان النفور والنشوز من الزوجة، ثم ذكر الحال الثاني‏:‏ وهو إذا كان النفور من الزوجين فقال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها‏}‏، وقال الفقهاء‏:‏ إذا وقع الشقاق بين الزوجين أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا فينظرا في أمرهما ويفعلا ما فيه المصلحة، مما يريانه من التفريق أو التوفيق، وتشوَّف الشارع إلى التوفيق، ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏إن يريدا إصلاحاً يوفق اللّه بينهما‏}‏، وقال ابن عباس‏:‏ أمر اللّه عزّ وجلَّ أن يبعثوا رجلاً صالحاً من أهل الرجل، ورجلاً من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء فإن كان الرجل هو المسيء حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة قصروها على زوجها ومنعوها النفقة، فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا فأمرهما جائز، فإن رأيا أن يجمعا فرضي أحد الزوجين وكره الآخر ثم مات أحدهما فإن الذي رضي يرث الذي لم يرض ولا يرث الكاره الراضي عن ابن عباس قال‏:‏ بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر‏:‏ بلغني أن عثمان بعثهما وقال لهما‏:‏ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما، وإن رأيتمان أن تفرقا ففرقا‏.‏ وقال أنبأنا ابن جريج حدثني ابن أبي مليكة أن عقيل بن أبي طالب تزوج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت‏:‏ تصبر إلى وأنفق عليك، فكان إذا دخل عليها قالت‏:‏ أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة فقال‏:‏ على يسارك في النار إذا دخلت؛ فشدت عليها ثيابها، فجاءت عثمان فذكرت له ذلك فضحك، فأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس‏:‏ لأفرقن بينهما فقال معاوية‏:‏ ما كنت لأفرق بين شخصين من بني عبد مناف، فأتياهما فوجاهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا ‏"‏أخرجه عبد الرزاق من حديث ابن عباس‏"‏وعن محمد بن سيرين عن عبيدة قال‏:‏ شهدت علياً وجاءته امرأة وزوجها مع كل واحد منهما فئام الفئام‏:‏ الجماعة لا واحد له من الناس، فأخرج هؤلاء حكماً وهؤلاء حكماً، فقال علي للحكمين‏:‏ أتدريان ما عليكما‏؟‏ إن عليكما إن رأيتما أن تجمعا جمعتما‏.‏ فقالت المرأة رضيت بكتاب اللّه لي وعليَّ، وقال الزوج أما الفرقة فلا، فقال‏:‏ علي كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب اللّه عزّ وجلَّ لك وعليك، رواه ابن ابي حاتم‏.‏

وقد أجمع العلماء على ان الحكمين لهما الجمع والتفرقة، حتى قال إبراهيم النخعي إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاث فعلا، وهو رواية عن مالك، وقال الحسن البصري‏:‏ الحكمان يحكمان في الجمع لا في التفرقة، وكذا قال قتادة وزيد بن أسلم، وبه قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وداود، ومأخذهم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن يريداً إصلاحاً يوفق اللّه بينهما‏}‏، ولم يذكر التفريق، وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين فإنه ينفذ حكمهما في الجمع والتفرقة بلا خوف‏.‏ وقد اختلف الأئمة في الحكمين‏:‏ هل هما منصوبان من جهة الحاكم فيحكمان وإن لم يرض الزوجان‏؟‏ أو هما وكيلان من جهة الزوجين‏؟‏ على قولين، والجمهور على الأول لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فابعثوا حكمً من أهله وحكماً من أهلها‏}‏ فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا ظاهر الآية‏.‏ والجديد من مذهب الشافعي وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثاني منهما لقول علي رضي اللّه عنه للزوج حين قال أما الفرقة قال‏:‏ كذبت حتى تقر بما أقرت به، قالوا‏:‏ فلو كانا حكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، واللّه أعلم‏.‏